على جانب الطريق

توثيق بصري لعادة بشرية تتنامى مع مرور الوقت. عبر ثمانية مشاهد متتابعة، ترصد السلسلة كيف يتحول جسم واحد مُلقى إلى جزء من نمط أوسع من الإهمال، بينما تتغير الطبيعة من حوله ويبقى الأثر البشري.

على قارعة الطريق… تبدأ بعض الحكايات في أماكن لا نلتفت إليها؛ على الهامش، حيث يمر الجميع ولا يتوقف أحد.


لا تقف الحكاية عند تفصيل واحد. يمضي الوقت بصمت، لتنضم بقايا جديدة إلى المشهد. خطأ عابر يستدعي آخر، وتتراكم آثارنا المنسية لتؤنس وحشة البدايات. هكذا يكبر الإهمال ببطء، في وضح النهار، وعلى مرأى من خطى العابرين الذين لا يتوقفون.


على قارعة الطريق… تتشابك دورة الطبيعة مع فوضى الإنسان. يطرح الخريف أوراقه المنهكة لتعانق التراب، بينما نترك نحن ما لا يذبل ولا يتحلل. أكياس متطايرة، وعبوات صامتة، وبقايا يوم عابر تتكدس بين الأوراق الصفراء؛ لوحة عبثية يمتزج فيها سبات الطبيعة المؤقت بأثرنا البشري الذي يرفض الزوال. يكتظ المشهد، وما زالت الخطوات تعبر من دون أن تلتفت.


على قارعة الطريق… يحل الشتاء بسمائه الرمادية ورياحه التي لا تهدأ. تغسل الأمطار وجه الأسفلت البارد، لكنها تعجز عن محو خطايانا المتروكة. تعبث العواصف بما كدسناه، وتبعثر النفايات لتغزو مسار العابرين، وكأن الطبيعة تنتفض لترد إلينا بضاعتنا بصمت قاسٍ. تحت وطأة المطر يزداد المشهد وحشة، وتتسارع الخطوات هرباً من البرد، تاركة الفوضى تواجه مصيرها وحدها.


على قارعة الطريق… ومع تساقط المطر بغزارة، تتجمع قطراته الصافية لتشكل سيولاً موحلة تجوب الحواف. هنا تفقد الفوضى سكونها؛ تندفع المياه محاولة تطهير أثرنا الثقيل، وتجرف العبوات والأكياس في رحلة قسرية نحو المنحدرات. تطفو خطايانا المنسية على وجه الماء المتعكر، باحثة عن قاع يواري سوءة إهمالنا، بينما يبقى الطريق شاهداً بارداً على هذا التناقض الموجع: سماء تفيض بالرحمة لتغسل الأرض، وأيدٍ ترد العطاء بالتشويه.


على قارعة الطريق… على قارعة الطريق… يطول الشتاء وتتوالى السيول، لتغمر الأرض بما فاض عن احتمالها. هنا يتخثر الوحل حول خطايانا، وتستسلم النفايات لبرودة المستنقعات الراكدة التي خلفها المطر. لم تعد المياه قادرة على الجرف، بل تحولت إلى فخ بارد يحتجز ما تركناه خلفنا. تمر الأيام ثقيلة وتتكرر العواصف، بينما تصر بقايا البلاستيك على البقاء كوشم شاحب يرفض الزوال عن وجه الطبيعة المنهكة.


على قارعة الطريق… تفرض الطبيعة تطهيرها القاسي، وتأخذ السيول مجراها لتبتلع الفوضى. يتراجع زحام النفايات تدريجياً، وتجرف المياه أثرنا نحو المجهول في تعافٍ خادع. خطايانا هنا لا تفنى، بل ترحل لتشوه بقعة أخرى في الخفاء. ومع انحسار الموجة الموحلة، تتشبث قلة عنيدة بالطين وتقاوم الانجراف، وتقف شاهداً أخيراً على ماضٍ قريب، مستعدة بصمت لفصل الحكاية الأخير.


على قارعة الطريق… تلتف الحكاية حول نفسها كدائرة مفرغة لا تعرف الخلاص. بعد أن هدأ ضجيج العواصف وانجرفت قوافل الفوضى، بقيت بطلة المشهد الأول وحيدة تتحدى قسوة الزمن. لكن صمودها ليس نهاية القصة، بل إعلان صامت لبداية دورة جديدة من أخطائنا المتجددة. النسيان هو المحرك الأعمى لهذه الدائرة البائسة؛ فغداً سيمر عابر آخر، وتسقط منه خطيئة جديدة لتؤنس وحشة الأثر القديم. ندور في حلقة لا تنتهي؛ يرحل فيها المطر ويبقى البلاستيك، ليطاردنا السؤال: متى سينكسر طوق هذه الدائرة؟ ومتى ندرك أن ما نتركه خلفنا لا يمضي، بل ينتظرنا؟ على قارعة الطريق… كنت وما زلت.